ابن عطية الأندلسي
548
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
[ الشورى : 5 ] لأنه معلوم أن الملائكة لا تستغفر لكافر ، وقد يجوز أن يقال معنى ذلك أنهم يستغفرون للكفار ، بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك ، وعلى هذا النحو هو استغفار إبراهيم لأبيه واستغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمنافقين . وبلغني أن رجلا قال لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي ، فقال له : تب واتبع سبيل اللّه يستغفر لك من هو خير مني ، وتلا هذه الآية . وقال مطرف بن الشخير : وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة ، وأغش العباد للعباد الشياطين ، وتلا هذه الآية . وروى جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة سنة » وقرأت فرقة : « العرش » بضم العين ، والجمهور على فتحها . وقوله تعالى : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً نصب الرحمة على التمييز وفيه حذف تقديره : يقولون ، ومعناه : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء ، وهذا نحو قولهم : تفقأت شحما وتصببت عرقا وطبت نفسا . وسبيل اللّه المتبعة : هي الشرائع . وقرأ جمهور الناس : « جنات عدن » على جمع الجنات . وقرأ الأعمش في رواية المفضل : « جنة عدن » على الإفراد ، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود . والعدن : الإقامة . وقوله : وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ روي عن سعيد بن جبير في تفسير ذلك : أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول : أين أبي ؟ أين أمي ؟ أين زوجتي ؟ فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيهه عليهم وطلبه إياهم ، وهذه دعوة الملائكة : وقرأ عيسى بن عمر : « وذريتهم » بالإفراد . وقوله : وَقِهِمُ أصله أوقهم ، حذفت الواو اتباعا لحذفها في المستقبل ، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف ، ومعناه : اجعل لهم وقاية تقيهم السَّيِّئاتِ ، واللفظ يحتمل أن يكون الدعاء في دفع العذاب اللاحق من السَّيِّئاتِ ، فيكون في اللفظ على هذا حذف مضاف ، كأنه قال : وقهم جزاء السيئات . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 10 إلى 12 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) ثم أخبر تعالى بحال الكفار وجعل ذلك عقب حال المؤمنين ليبين الفرق ، وروي أن هذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار ، فإنهم إذا أدخلوا فيها مقتوا أنفسهم ، أي مقت بعضهم بعضا . ويحتمل أن يمقت كل واحد نفسه ، فإن العبارة تحتمل المعنيين ، والمقت هو احتقار وبغض عن ذنب وريبة . هذا حده ، وإذا